Archive

هلاوس

١

هذه المرة لم أحمل سماعات الإذن ولا سجائري الملفوفة معي. توقفت منذ مدة عن شراء السجائر الجاهزة وعدت إليّ حبي القديم الذي تجنّبته عند محاولة التعافي. اخبروني ان هذا الشئ هو السبب في تدهور حالتي الصحية وفِي اللحظة التي ستتوقف فيها سيتغير كل شي، ولكن هذا لم يحدث مطلقاً بالعكس تدهورت حالتي أكثر وفقدت الكثير من وزني

بدأت أقع في غرام التخطيط العمراني لهذه المدينة الصغيرة على الرغم من كثرة الإشارات المرورية بها، فاري السماء دائما بشكل واضح بعيدا عن الأبراج القبيحة العالية. علي الأقل يمكننا استبدال وسع الروح بوسع الحيّز الجغرافي. امتلأت غرفتي بعبارات كتبتها بخط يدي علي حوائطها بدلا من ان تنفجر داخل رأسي

والأرق نسيت ان اخبرك عنه، صديقي اللعين الذي يدمر حدقة عيني ويرسم حولها السواد، أتغلب عليه مرة أو اثنين أسبوعيا ولكن للحق هو على وشك أن يفتك بي. لم أعد أستطيع السيطرة على حياتي، فطبقت نظرية البؤر المضيئة واخترت جانب العمل وبدأت في تطويره وحصد بعض النجاحات المرضية حتى الآن

اعرف ان امامي الكثير لاتعلمه ولا يوجد لدي أي متسع من الوقت ولكن علي الأقل اعرف ما علي فعله. عزيزتي آسف، قدمي لم تعد تقوى علي حملي وانهار في اليوم مائة مرة لذلك لا أظن أنني سأبقى وحيدا كثيرا، فأنا بانتظار اللحظة المناسبة التي سينتصر فيها السواد ويبتلعني وتتناثر بقايا جسدي علي الأرض

—٢—

في صباح اليوم التالي، استيقظت كعادتي في السادسة صباحا قبل موعد المكتب بثلاث ساعات كاملة حتى يمكنني أخذ حمام سريع وتحضير القهوة وبعض السجائر. أتفقد تويتر فهو الآن مساحتي الوحيدة لأقول ما أقول دون أن يعير أحد اهتمام، أشعلت سيجارة مع فنجان القهوة وانا اشاهد فيلم عربي سخيف ولا اعرف لماذا

اتصل بي السائق كعادته ليخبرني أنه ينتظرني، الملم حاجتي واتأكد اني وضعت كل شئ في حقيبة الظهر. في السيارة يرفع صوت إذاعة القرآن حتى يغطي علي صوت الموسيقى الخارجة من سماعات أذني، كل يوم يقوم بنفس الفعل حتى أنه استنكر مرارا لماذا أضع سماعات ولا استمع للقرأن فأخبره أني في حاجة لأسمع شئ سكسي في الصباح وان هذه الآيات منذ آلاف السنين وقد حفظتها كلها

في المكتب أدوّن ما عليه فعله اليوم، واعرف جيدا ان معظم ما كتبته سوف يتم تأجيله لإنجازه لاحقا. اتصلت بمصمم المطبعة مصري مقيم هنا منذ عدة سنوات ولكن للأسف هو الوحيد العربي هناك، فينتظرني بفارغ الصبر حتى يتحدث معي ويعيد علي مواضيعه مئات المرات وأجيب عليه اجابات مختصره مصحوبة بابتسامة كاذبة بلهاء. اتفهم تماما ما يشعر به، فأنا المصري الوحيد الذي يمكن أن يتحدث معه من حين لآخر، حتى انه يعيد نفس السؤال أكثر من مرة واجيبه إجابات مختلفة كل مرة حتى لا يقتلنا الملل

استلمت منه المطبوعات وعدت إلى المكتب حتى أتأكد منها وأتحدث مع مديري عن ما يمكن أن نفعله المرة القادمة فيخبرني انني غريب ولا يعرف كيف أنجز هذه الأعمال في هذا الوقت القصير فيقول ” يا بنى بطل مخدرات شويه و ركز في شغلك ” فاضحك وأخبره أنه للأسف لا توجد هنا مثل هذه الأشياء الجميلة. لدي في منتصف اليوم كام ساعه يمكنني فيها أن أنجز مشاريع اخرى اعمل عليها، وهذه الفترة تكفي لتفقد الشقوق داخلي والتحدث مع اكتئابي وتجديد الفشل والخيبات والخوف من القادم

…يتبع

Advertisements

ماذا نفعل هنا؟ نصنع تاريخ أم نخلق ذكرى؟ كل ما نحاول فعله ممارسة الحياة بأقل الخسائر دون أن ننهار دائماً فى منتصف الطريق. يتسع الصدر للحب من جديد، نردم خيباتنا السابقة ونفرش طريقاً بالأحلام لنخطو عليه. كم مرة عليّ أن أخبرك بأنك جميلة وأن تلك الإبتسامة تُبصر الأعمى. أمارس عزلتى بكل اريحيه فلا مزيد من تلك الخطوط البيضاء والحبوب المهلوسة. أرى الحياة بعيني طفل على وشك أن يولد من جديد. وحتى نلتقي سيضل الفشل طريقه والأرق لن يدركنا قريباً لتصبح الروح غابة واسعة من الأخضر والأزرق وعيناك فقط

الجرائم لا تسقط بالتقادم، ولا تنتهي ثورة فى أرشيف محكمة. ما بدا لم ينتهي بعد أنه مجرد فصل من فصول المعركة الطويلة. مواجهة كل شئ قبيح، أنها تجربة شخصية كالإستماع لموسيقى الراب، حقيقة وعنيفة، تبحث عن حياة أفضل من خلال سرد الحدث كما هو دون تجميل. الثورة ولدت بداخلي، فبحثنا عن الحلم والأمل. واجهنا السلطة والرب، عبثنا بمقدراتنا ومازلنا نلعب وندفع الثمن من أرواحنا فقط من أجل المتعة. تغير كل شئ ولو كره الكافرون. لم نعد نشبه أحداً وشيئاً أصبح أقوى داخلنا، نقدر اللحظة ونقدسها. لم تعد تبهرنا السماء وتلك النجوم البعيدة صارت أقرب لنا من حبل الوريد. نعرف الآن معنى التمرد والموت ووسع الكون. إنها فى داخلنا تصنع عالم أفضل لنا، وغداً سنورث الأرض ونجعل فيها من يقدر الحياة

حسناً كان يجب عليه أن يضع تحذير على الحياة مثل علب السجائر “احذر هذه الحياة خطيرة وتسبب الوفاة”. آو ربما يضع الأحلام على رفوف ونختار منها ثم نكمل السير مع عربة التسوق ونلتقط من الرفوف الأصدقاء، العمر، السعادة، اللحظات الخاصة

نملأ الوقت بالدخان الانيق وعبوات الريد بول الفارغة، نبحث فى هذه “الهايبر” الكبير عن المشاكل وعن القصة ولكن ربما علينا أن نبدأ نحن قصتنا هنا. تسألين الآن عن ذكرياتك؟ خبأتها فى هذا الصندوق حتى تعفنت كما فعلتِ مع حلمنا الوحيد

لو عاد الزمن لصنعت من خصلات شعرك وريداً جديداً لقلبى وأخذت من جلدك خلايا وسددت بها مسام روحى. كنت سأنتزع بالطبع الرئتين ونضعهم فى صدرى، اجمع انفاسك فى زجاجة استنشاق واحملها في حقيبتي. كل ما اردته هو حضن آخر فقط حتى ننسى كل ما حدث، نلتقي فى مكان من اختيارك وتعرفين انه يعجبني ولكني سأسخر منه كالعادة. سأخبرك ان هذا الخاتم يناسب يدى أكثر منك وانى على وشك وشم اسمك على ذراعي

نعم يا مريم خدعتنا الحياة ولم يتبقى منا سوى رسمه على جدار الغرفة كانت هديتك فى يوم ميلادك القادم

حسناً من أين نبدأ هذا؟ دعنى فقط أرتب أوراقى على الطاولة، ورقة الأمل، ورقة الحب، ورقة المستقبل، ورقة الأصدقاء، ورقة الشغف ورقة الحلم. ماذا لدى الآن؟ القليل القليل من كل شئ، ليس كل شئ ولكن معها حتى الآن كل شئ ولا أعرف ما مستقبلنا، كل ما أعرفه أن هذا ما بحثت عنه من سنين عندما رأيت صورتك صدفه أول مرة ولم أنس وجهك قط. فى أخر لقاء بيننا قتلتنى كلماتى، خنقتنى حروفى، أنتزعتها من حلقى بصقتها بالدم، لم أستطع مسح دموعك فلمستك لم تكن ملكى حينها. أدفع ثمن هذا القرار الآن، أقف فى وجه كل ما أعتدنا أن نواجه سوياً وحيداً دون ضهر، دون أب، دون رب، دون حضنك. أحمل عبء كل شئ، أسير فى شوارع خالية من الموتى وأفرغ صندوق أحلامنا على جانبى الطريق . لم تعد ملكى لم يعد شئ ملكى، كالغريب المدفون فى مقابر حرب هليوبوليس، لا هى أرضه ولا لغته فقط معركة أخرى خاضها وخسر. القلق ذلك الوحش القابع فى جدران الحياة، يبتسم، ينشر السواد حولك، يغلق عيناك، على حافة البئر يركلك فتسقط للأبد. لا تتبعنى لم أعد كما كنت من قبل. ولكن أعدك عندما أكتشف الطريق سوف أركض لانتشل ما تبقى منا، ربما

كيف إمتلاءت المدينة بكل هذا الحزن؟ تلك الوجوه العابسة, البؤس الكامن فى الجدران, من إنتزع الروح والشجر؟! من أزال الذكريات من الشوارع؟ لمن تلك المدينة اليوم؟ لمن تلك الشوارع اليوم؟ .. الشمس هنا فى عينيى والقمر هنا فى هذا الصندوق, سرقه ابن العاهرة. سقط منه بعض الفُتات فأخذته صنعت منه عقد يليق بها. هذه الحياة لا تليق بها والنجوم والاحلام المستحيلة والخرافات.. نتسلق السلم الموسيقى نعزف لحن  النجاة. الرب كان فى الأصل رائد فضاء, وحضنك أصل الأشياء. اللص يمسح لعابه فى أحلامنا ويضحك .. يفزع الأطفال, يرسم أسهم بيضاء على أطراف الطريق.. يطلق النكات.. يعبث بالكلمات المفتاحية فلا نجد ما نبحث عنه. ماذا سأفعل؟ كل شئ إنتهى فى نظر خالقه للأبد

tumblr_o8pjsravzd1r68844o9_1280

ما أصعب البدايات, حسناً أنها أجمل ما فى الأمر ولكن كيف تتخلص من لعنتها فى النهاية؟. لا شئ كان أجمل منكِ فى لحظة من اللحظات, تلك الإبتسامة, الحركة العفوية, التسكع فى الشوارع, أول الأشياء, أول قبلة بيننا.. كل شئ كان رائعاً. فى يوماً من الأيام كان حضنك قبلتى الوحيدة أهرب من الحزن والفشل إليه. كنتِ إيمانى الوحيد ومازلتِ لو تعلمين. لماذا تقتلنا الحروف والكلمات هكذا؟ أسمع صراخك ولكنى لا أستيطع الرد او ضمك حتى ينتهى هذا الكابوس للأبد. لم أنسى أنكِ من نفخ في الروح من جديد, دائماً كنتِ الملجئ والمنقذ والضهر والحياة. أعذرينى لم أقيم الموقف جيداً, لم اتفهم كم الضرر الذى لحقته بك وبنا. أحببت أنكِ تقبلتينى على هذه الصورة, مزيج من الغضب والطيبة والسذاجة والتمرد والفشل والنجاح والخوف والقلق والإدمان والخصومة وحب الحياة. ثم فجأءة كل هذا أصبح مزعجاً بالنسبة لك؟ التخبط, كوابيس فترة التجنيد, الوحدة, قلة الحيلة, كل الأشياء السيئة التى على تجاوزها أعرفها تماماً انه الوقت فقط ليس إلا. السلبية أنهت التفاهم والنقاش بيننا, وأنا دونك يتيم بلا ضهر. لا أعرف ما يخبئ القدر ربما سينتهى كل هذا قريباً ونبدأ حلمنا او ربما سيموت ما تبقى بيننا من حروف