مقتطفات من مرايا غليانو

:تاريخ موجز للمدينة

وتعبنا من التجوال فى أرجاءِ الغاباتِ وعلى امتداد ضفاف الأنهار. وبدأنا نستوطنُ

ابتكرنا القرى وحياة الجماعة, وحوّلنا قطعة العاج إلى مسلّة والشوكة إلى مسمار. وضاعف المقبضُ قوةً الفأس والمجرفة والسكين. زرعنا الرزَّ والشعير والقمح والذرة, وضعنا الماعزَ والخرافَ فى رزائب. تعلمنا تخزين الحبوب لنحمى أنفسنا من الموت جوعاً فى أوقات الجفاف.

ورتلنا الأناشيد فى مديح أمجاد الملوك, والقادة المحاربين وكبار الرهبان. اكتشفنا الكلمتين “مالك” و “لى” وأصحبت الأرض مملوكة, وأصبحت النساء ملكية للرجال والأباء مالكى الأطفال, وخلفنا وراءنا بعيداً الأزمان التى كنا فيها نهيم فيها من دون بيت ومأوى

وكانت نتائج المدينة مفاجئة, أصبحت حياتنا أكثر أمانا, ولكن أقل حرية, وعملنا أشدّ قسوة.

:البطل

كيف سيروى جندى مجهول قصة حرب طروادة؟ جندى مشاه يونانى أهملته الألهة, ولم ترغب فيه سوى النسور التى حومت فوق ساحات المعارك؟ مزارع مقاتل لم يرتل أحد عنه نشيداً, ولم ينحت له أحد تمثالاً؟ هو واحد من عديدن أجبر على القتل, ومن دون أدنى مصلحة له بأن يُقتل, ليحظى بنضرة من عين هيلين؟

هل كان ذلك الجندى يملك أن يتنبأ بما أكده “يوريسين” لاحقاً؟ أن “هيلين” لم تكن فى طروادة أبداً, بل كان ظلها هناك فحسب؟ وأن عشرة سنوات من المذابح حدثت من أجل عباءة خالية؟

ماذا سيتذكر ذلك الجندى لو قيض له أن ينجو؟ من يدرى؟ ربما الرائحة, رائحة الألم, لاغير.

بعد سقوط طروادة بثلاثة ألاف سنة يخبرنا المراسلان الحربيان روبرت فيسك وفيران سيفلا, أن الحروب منتنةٍ. شهد المراسلان بعضاّ منها, من الداخل, ويعرفان رائحة التعفن اللزجة الساخنة العذبة, تلك التى تدخل فى مسامك ويقيم فى جسدك ولا يزول الغثيان أبداً.

:أصل الفن الحديث

النحاتون فى غربى أفريقيا يغنون دائماً أثناء عملهم. ولا يتوقفون عن الغناء إلا حين تكتمل تماثيلهم. وبهذه الطريقة تدخل الموسيقى إلى قلب المنحوتات وتواصل الغناء. فى العام 1910 وجد ليو فروبنيوس تماثيل قديمة على ساحل العبيد جعلت عينيه تخرجان من محجرهما.

لقد بلغت من الجمال حد أن المستكشف الألمانى أعتفد أنها كانت تماثيل يونانية مجلوبة من أثينا, أو ربما من قارة أطلنتس المفقودة.

ووافق أصدقاؤه, إن أفريقيا ابنة كل ما هو محتقر وأم العبيد, لا يمكن أن تكون انتجت مثل هذه الروائع. ومع ذلك أنتجتها, فهذه التماثيل الممتلئة بالموسيقى تم نحتها قبل بعضة قرون فى سرة العالم, فى “إفى” المكان المقدس الذى أنجبت فيه آلهة قبيلة اليوروبا والرجال والنساء.

وتبين أن أفريقيا منبع لا ينضب لفنٍ يستحق الأحتفاء به, ويستحق السرقة. ويبدو أن “بول جوحن” الزميل الشارد الذهن, وضع اسمه سهواً على تمثالين مجلوبين من الكونغو.

كل هذا الخطأ معدياً. فمنذ ذلك القوت فصاعداً ارتكب “بيكاسو “و “مودليانى ” و”كلى ” و “جياكومى ” و “إرنست” و”ومور” والكثير من الفنانين الأوروبين, الخطأ نفسه, وكرروا ذلك والقلق ينتابهم. ولن ينسى لأفريقيا أن تعرف, وهى تُنهب على يد سادتها الاستعماريين, إلى آى مدى كانت مسؤولة عن غالبية ما أنجزه القرن  العشرون الأوروبى من لوحات وتماثيل.

مرايا: ما يشبه تاريخاً للعالم

13563321._UY464_SS464_

Leave a Reply | اترك التعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: