دِيبَاجَةٌ

.ما يهمُّ هو الحقيقة

لديّ الآن وقد صرتُ عجوزاً, كلَّ السَّكينة لكى أعيش. سأتكلّم, سأُدْلي بالكلمات والزَّمن. إّنني أُحِسُّنِي مثقلةً بعض الشئ. وهذا لا يعود إلى وطأًة السّنين, بل إلى وطأَة كلّ ما لم يُقَلْ, كلّ ما كتمتُه وأًخفيتُه. لا أًعلم بأًن ذاكرةً مملوءة بأًنواع الصَّمت وبالنظرات المتقطّعة يمكن أن تصير كيساً من الرّمْل يعْسُر معه السَّيْرُ

.قضيت وقتاً طويلاً للوصول إليكم. أَيُّها الأَخيار ! لا تزال السّاحة دائرية. كما الحمق. ولا شئ تَغَيَّر. لا السَّماءُ ولا الناس

إنّني سعيدة بكونى أخيراً هنا. أنتم خلاصي, ونورُ عينيَّ. إنّ تجاعيدى جميلة وكثيرة. فما بدا منها على الجبين هى آثارُ ومِحَنُ الحقيقة. هي انسجام الزّمن. وما بدَا منها على ظاهر اليَدَيْن هي خطوط القدرٍ. أُنظُروا إليها كيف تتقاطعُ, كيف تشير إلى مَسَالِك الحظ, راسمةً نجمةً بعد سقوطها فى ماء أحدى البُحَيْرات

هنا تكمن قصّة حياتي, فكل ُّ تجعيدةٍ قَرْنٌ, طريقٌ عبر ليلةٍ شتويةٍ, عينُ ماء صافية, صباحٌ من الضباب, لقاءٌ فى غابةٍ, قطيعةٌ, مقبرةٌ, شمسٌ مُحْرِقةٌ…هنا, على ظاهر اليد اليُسرى, هذه التّجعيدةُ نُدْبَةٌ; فقد توقَّفَ الموتُ ذات يومٍ ومَدَّ لي نوعاً من العصا الطويلة. رُبَّما لكي يُنْقِذنِي؟ وقد رددتهُ بإدارة ظهري له. كلُّ شئ بسيطٌ شريطة أَلا نشرع في تحويل مجرى النّهر. قصتي ليست عظيمةً ولا تراجيدية. هى ببساطة غريبةٌ

تغلّبتُ على كلّ أنواع العنف لكي أستحقَّ العاطفة وأَستحق أن أَصير لُغْزاً. طالما مشيتُ فى الصحراء; ذرَعْتُ الليلَ وأَلِفْتُ الأَلم. خَبَرتُ “الشراسة الصافية  للأَيام الهنية”, هذة الأَيام التي يبدو فيها كلُّ شئ وديعاً

أَيُّها الأَخيار ! ما سأُسِرُّه لكم يشبه الحقيقة. لقد كذبتُ. أحببتُ وخُنْتُ. عبرتُ البلاد والقرون. وغالباً ما نَفِيتُ نفسي, وحيدةً بين الوَحِيدِين. أدركتُ الشيخوخَة غِبَّ نهارٍ خريفي, وإذِ ارتَدَّ الوجهُ إلى الطّفولة, أَودُّ قول هذه البراءة التي حُرٍمْتُ منها. تذكَّروا ! كنتُ طفلةً مضطربةَ الهُوية زمترنّحتها. بِنْتاً كنتُ مُقَتَّعةً بمشيئةِ أَبٍ أحسَّ بنفسه ناقص الرّجولة ومُهَاناً لأَنّه لم يُرْزَقْ ولداً. وكما تعلمون, كنتُ أنا هذا الإِبْن الذي كان به يحلمُ. والبقية, يعرفها بعضكم; والآخرون سمعوا نُتفاً منها هنا وهناك. إن الذين جازفوا بحكاية حياة طفل الرّمَال والرّيح هذه لاَقُوا بعض المتاعب : فبعضهم أُصيبوا بفقدان الذّاكرة; وأشرف آخرون على الهلاك. لقد قُصَّتْ عليكم بعض القصص. وما هي حقّاً بقصصي. فحتّي عندما كنتُ مختبئةً ومنزويةً,  كانت الأَنباء تنتهي إليّ. ولم أكن مندهشة ولا منزعجة. كنتُ أعلم أنّني, باختفائي, أترك ورائيَ ما يُغَذِّي أغربَ الحكايات. لكن بما أن حياتي ليست حكايةً, حرصتُ على أَنْ أُصَحِّح الوقائع وأُفشِيَ لكم السر المصون تحت حجرٍ أسودَ فى دارٍ عالية الجدران داخل دَرْبٍ مُغْلقٍ بسبعة أبواب

من رواية ليلة القدر – الطاهر بن جلون

رواية - ليلة القدر

الغلاف

1 comment

Leave a Reply | اترك التعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: