الله والشعر وجهاً لوجه

ليس من شخص في هذا العالم إلا وحاول رسم الله في مخيّلته، لكن بعض الشعراء رسم مقاربات أو مخاطبات أخرى لـ”الملأ الأعلى” لا تتفق في المجمل مع السلطة الدينية أو التقليدية، وبإزاء ذلك تمنع الرقابة معظم الكلمات الشعرية التي تتناول الله، باستثناء تلك التي تمجّده. بالطبع علاقة الشعراء بالله علاقة خطرة، من حيث هي نتيجة صدام بين الأنا الإنسانية والأنا الإلهية، لكن السؤال: هل ممازحة الله ممنوعة من خلال قصيدة أو نصّ أدبي؟

قبل مدّة روى الشاعر اللبناني المقيم في أوستراليا وديع سعادة أنه اتفق مع إدراة سلسلة “كتابات جديدة” على إعادة نشر مختارات من قصائده، إنما بشرط أساسي هو عدم حذف أو تغيير أي جملة أو أي كلمة في القصائد المختارة، لكن ما جرى أن جُملاً وكلمات حُذفت من قصائد عدّة، ما جعل تلك القصائد مشوّهة :تماماً، وقد تبيّن أن معظم ما حُذف يتضمّن كلمة “الله”. من القصائد التي تعرّضت للهتك والتشذيب

لن تخسر شيئاً إذا ألغيتَ كلَّ الرحلة”

يمكنك أن تستغني عن الله

وتكلّمني

هل كان عليك أن تتعلَّم كلّ الكلمات

لتقول فقط

.وداعاً أيها الأصدقاء؟” (تمّ حذف جملة “يمكنك أن تستغني عن الله وتكلّمني”)

:وحذف آخر في ديوان آخر

“وداعاً أيها الله

إني أمشي ناظراً إلى قدمي،

!ذاهباً إلى المقهى للقاء الأصدقاء. وداعاً، إني أشيخ” (حُذفت “يا الله” وأُبقي على كلمة “وداعاً”)

هكذا تعاملت الرقابة المصرية مع كلمة “الله” كما لو أنها شبح مرعب؛ استخفّت بمطالب الشاعر، وحملت المقص وفعلت فعلتها؛ أقصت الكلمة من النص، وأضاعت زهرته من دون الأخذ في الاعتبار أن الشاعر يعمّق صلته بالله من خلال اللعب والمداعبة والممازحة. وهنا علينا القول إن النص يرتكز في معظم .الأحيان على كلمة او صورة، فما معنى أن تنشر قصيدة حُذفت منها نقطة الارتكاز. نحن هنا أمام مواجهة بين “زعرنة” الشعراء القائمة على الدعابة، و”زعرنة” الرقابة القائمة على الوجوم والتسلّط، وما بينهما الله

حَذْف “الله” من قصائد وديع سعادة، يبدو “سهلاً” مقارنةً بمحاكمة الشاعر المصري حلمي سالم بسبب قصيدة “شرفة ليلى مراد”، التي أحدثت عاصفةً من السجال بين عدد من المثقفين المصريين وبين جماعات إسلامية متطرّفة حملت بغضب على هذه القصيدة، معتبرةً إيّاها مسيئةً إلى الذات الإلهية. ردّ حلمي سالم على مطالبته بالاستتابة بقوله إن الاسلام لا كهنوت فيه ليقوم بعض المسلمين بتكفير البعض الآخر: “إن القصيدة التي كتبتُها، والتي هي موضع شكوى لدى البعض، خالية من أي إساءة للذات الإلهية، وإن الصفات التي وردت للربّ يجب قراءتها في إطار الإبداع الشعري، وليس من قبيل التفسير الحرفيّ لكل كلمة. :إن الله أو الربّ ليس شرطياً كي يمسك الجناة”. يقول سالم في قصيدته

الرب ليس شرطياً”

حتى يمسك الجناة من قفاهم

إنما هو قرويّ يزغط البط،

:ويجسّ ضرع البقرة بأصابعه صائحاً

وافر هذا اللبن

الجناة أحرار لأنهم امتحاننا

الذي يضعه الرب آخر كلّ فصلٍ

قبل أن يؤلّف سورة البقرة

(…) الربّ ليس عسكريّ مرور

إن هو إلا طائر

وعلى كلّ واحد منا تجهيز العنق

لماذا تعتبين عليه؟ رفرفته فوق الرؤوس؟

هل تريدين منه أن يمشي بعصاه

في شارع زكريا أحمد

ينظّم السير

“.ويعذّب المرسيدس؟

.العلاقة مع الله في الشعر، تجربة غالباً ما تكون محفوفة بالمخاطر، فقد اتهم غلاة التطرّف الشاعر الأردني موسى حوامدة بشتم الله والحديث معه بطريقة جنسية وما شابه

.وفي بيروت ثمة مشروع مجلة شبابية صدر منها عدد يتيم وتضمّن قصيدة لشاعر حُذفت منها كلمة “الله” واستُبدلت بكلمة “رئيس الجمهورية”! وهذا كان بداية لتفسّخ المشروع وانهياره

وأحدث الشاعر اللبناني عقل العويط ضجّة في الوسط الديني لأنه كتب “رسالة الى الله” (جريدة “النهار”)، حتى أن مشايخ التطرّف أحرقوا نسخة من جريدة “النهار” كـ”تعبير” عن “احتجاجهم”، جاعلين “الرسالة” قضية رأي عام. وقد سارع الشعراء والكتاّب إلى التضامن مع صاحبها، بعدما التهبت حميّة الطوائف .كبرميل بارود

“الشعر في مواجهة الله”، هذا ما تقوله حكايات الزمن، فأن يكون الشعر في خدمة الله أو الدين أو السلطة، يصبح في مكان آخر، ناقصاً الشاعرية واللعنة والغواية: “والشعراء يتبعهم الغاوون” كما ذكر القرآن. هكذا تبدأ المواجهة، بين فريق غارق في الخوف من “الملأ الأعلى”، وفريق يعيش في مستنقع المواجهة .والتحدّي؛ تحدّي الوهم على أبعد احتمال

.لقد شكّلت فكرة “موت الله” لدى نيتشه انعطافاً كاملاً وجديداً في الثقافة الغربية، إذ يُعتبر موت الله تأسيساً لميلاد ثقافة جديدة. لكننا سئمنا من الحديث عن هذه الثقافة، كما سئمنا من ترديد جملة نيتشه “الله مات”، فقد باتت مكرورة كثيراً: لقد مات نيتشه وبقي الله

مع ذلك يبقى الله ذلك الملأ الذي في الكتابة، فالمجهول أكثر غواية من الواقع، لأنه مفتاح الخيال. لقد حاول الحلاّج الاقتراب من الله عبر التماهي مع صفاته؛ الشعور به يتلبّسه في كلّ نشوة: “أنا الحق”. حاول الحلاج التدليل على وجود الله في العمق، وقد اختلف المفكّرون في سبب محنة الحلاّج، فمنهم من قال إنه لقي حتفه بسبب قوله: “أنا الحقط”، أو بسبب جملة حملتها وشاية أبي يزيد البسطامي، حيث ادّعى أنه سمع الحلاّج يقول: “سبحاني سبحاني ما أعظم شاني”، في معنى تشبّثه بمذهب الحرية الباطنية في التصوّف، والذي يتعارض جملةً مع الاستبداد الديني. لقد كانت تجربة الصوفيين في الكتابة عن الله محاولة .للاقتراب من الله نفسه، نوع من الإيمان، وإن اتُّهم أصحابها بالكفر والإلحاد

شراشف غير مغسولة

عمدت الحركة السوريالية إلى التجديف على الدين والله والمقدّسات كافّة، وقد كان أعضاء هذه الحركة الأكثر بحثاً وتمحيصاً في فكرة الله، فهم يرون إليها فكرة خرافية معيقة لهم ولاكتشاف الإنسان الأصلي والحقيقي فيهم، ولذلك كان على السوريالي أن يخلق مفهوماً آخر للشعر؛ الشعر الذي يبحث عن نتيجة ما، .كالسحر والخيمياء والتشكيل وغير ذلك من مجالات حاول السورياليون استخدامها للتوصل إلى ما يريدونه

من هنا نعرف كيف تعامل الشعر السوريالي مع فكرة الله، فهو يجدها سيّئة وسيّئة جداً، وقد درج الشاعر السوريالي على تصويره الله بأقبح المشاهد، كما فعل أرتو في ندائه الأخير للانتهاء من قضاء الله، أو ما قاله لوتريامون: “ذات يوم، إذاً، وقد تعبتُ من أن أتعقّب بقدمي درب الرحلة الأرضية الوعر، وأن أمضي وأنا كرجل سكران، عبر دواميس الحياة المظلمة، رفعتُ ببطء عينيّ السوداوين، وقد أحدقت بهما دائرة كبيرة مزرقة، نحو تجويف القبّة الزرقاء، وتجرأت على أن أخرق، أنا الشاب اليافع، أسرار السماء حين لم أعثر على ما كنت أبحث عنه، رفعت جفني المرتاع إلى أعلى فأعلى إلى أن لمحت عرشاً، مكوّناً من .”غائط بشري وذهب، يتربّع عليه، بكبرياء بلهاء، وجسده مغطّى بكفن مصنوع من شراشف مستشفى غير مغسولة، ذاك الذي يسمّي نفسه الله! كان يمسك بيده جذعاً عفناً لرجل ميّت، وينقله، بالتناوب، من العينَيْن إلى الأنف إلى الفم، وحين يصل إلى الفم، يمكنكم التنبّؤ بما سيفعله به

أعجب السورياليون بلوتريامون ورفعوه إلى مرتبة العبادة. فقد كانوا يبحثون عن الانتهاك اللفظي والمعنوي لكلّ ما هو كائن، فوجدوه عند هذا الشاعر الذي لا يشبهه أحد من قبله ولا من بعده. في “أناشيد مالدورور” يتغنّى لوتريامون بالشرّ، والقساوة، والرعب، وكل ما هو سلبي أو منفّر في الوجود. ينتهك القوانين الإنسانية والأخلاقية كلّها، إنه ديوان يتفجّر بالتمرّد والرفض لكلّ نواميس المجتمع، بل وحتى البشرية. وربما لم يشهد تاريخ الشعر ديواناً في مثل هذه الجرأة على التجديف، وربما لهذا السبب نصح لوتريامون عائلته، أو قلْ ترجّاها، بألا تقرأ ديوانه. فقد كان يعرف ما فعل، وكان يخشى أن يصدمها كما صدم أجيالاً متتالية من القرّاء. لم يتجرأ شاعر على انتهاك المقدّسات مثلما تجرأ هذا الفتى. وربما لهذا السبب انطوت أشعاره على شحنة مطلقة من الحرّية. لم يجرؤ شاعر على الذهاب إلى مثل هذا الحدّ في الخروج على المألوف، في مغامرة المجهول. تجاوز لوتريامون كلّ رقابة، ومن أي نوع كانت: دينية مسيحية، جنسية، أخلاقية… لكننا في ديوانه الثاني “أشعار” نسمع صوتاً آخر مضاداً للأول تماماً. فمغامرة لوتريامون غير المسبوقة انتهت بالحكمة، بالانقلاب على المضمون الشرير واللاأخلاقي “لأناشيد مالدورور”. هكذا راح لوتريامون يمجّد كونفوشيوس، وبوذا، وسقراط، والمسيح. وراح ينحني أمام فلاسفة العقلانية كأرسطو، !وأفلاطون، وسبينوزا، وديكارت، ومالبرانش. يا للخسارة، لقد “عقل” لوتريامون في نهاية المطاف

“.ربما كان يشبههه رامبو في مسيرته، فقد كانت والدة رامبو تجبره، وأخواته، على ارتياد الكنيسة وتأدية الطقوس الدينية… حتى كتب بالطبشور على باب كنيسة مدينته “فليسقط الله

لم يكن رامبو طيلة مدّة مرضه المضنية مؤمناً، بل ظلّ يجدف، لكنه في أيامه الأخيرة، أُصيب بالهذيان، فأخذ يدعو المسيح ويصلّي، مكرّراً بين حين وآخر (بالعربية) عبارتَي: “الله كريم”، و”عسى أن يتمّ الله إرادته”، في “يقظة” روح دينية مفاجئة، إسلامية ومسيحية، وبفضل الآلام المبرحة المطهّرة لروحه وجسده، .وأحلام غيبوبة رافقتها الهذيانات، واختلطت فيها الكلمات

رسالة الكترونية

في العالم العربي لم يكن ثمة جرأة حقيقية في الحديث عن الله كما فعل لوتريامون أو رامبو، فبقيت الكتابة عن المقدّسات في إطار المداعبة، ومع ذلك كانت الرقابة والمحاكمات. كتب نزار قبّاني قائلاً: “إنني على الورق أمتلك حرية إله، وأتصرّف كإله! وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك إلى الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذّذ باصطدام حروفه بهم، وإن الكتب المقدّسة جميعاً ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل، وإلا حكَمَ الله على نفسه بالعزلة، ولعلّ تجربة الله في ميدان النشر والإعلام وحرصه على توصيل كلامه :”المكتوب إلى البشر، هي من أطرف التجارب التي تعلّمنا أن القصيدة التي لا تخرج للناس هي سمكة ميتة أو زهرة في حجر”. ويمضي نزار قبّاني قائلاً في إحدى قصائده من ديوانه الموسوم “لا

حين رأيت الله في عمّان مذبوحاً”

على أيدي رجال الباديهْ

غطّيت وجهي بيديّ

.”وقلت: يا تاريخ هذي كربلاء الثانيهْ

“.هذه العبارات دفعت البعض إلى اتهامه بالإلحاد، ولو قُدّر لهم لحاكموه وأحرقوا كتبه كما فعلوا مع كتاب “سقوط الإمام

:أيضاً، كتب الشاعر العراقي صلاح حسن قصيدة عنوانها: “بريد الكتروني إلى الله” قال فيها

عزيزي الله”

لستُ مضطراً لمخاطبتك

على طريقة محمد الماغوط

ولا بطريقة فاضل العزاوي

.فلديّ إيميل الآن

يمكنك أن تجيب عن رسائلي بالضغط على Replay

لدي أسئلة كثيرة

.أنت مُجبر على الإجابة عنها

لقد بلغتُ الخامسة والأربعين

وأظن أنني عاقل بما فيه الكفاية

كي أسألك عن واجباتك

ما الذي تفعله طوال اليوم؟

هل تقرأ الصحف؟

هل تستمع إلى الإذاعات؟

ألم تسمع في خطب الجمعة

..”شيئاً عن العراق؟

.وأُهدر دم الشاعر العراقي الكردي شيركه بيك س بسبب قصيدة سأل فيها عن نمرة رِجْل الله

.وطويلة قائمة الشعراء الذين جعلوا الله ندّاً لهم، وهجوه وساجلوه، حتى جعلوه أجمل، وفي كلّ مكان: في “صراخ الخيول” و”على عتبة المبغى” كما يقول محمد الماغوط

محمد الحجيري

الغاوون، العدد 5، 1 تمّوز 2008

Leave a Reply | اترك التعليق

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: