كيف يسير الناجون؟ مطأطئي الرأس, متفحّصين الأرض بأعينهم, شابكين أيديهم خلف الظهر, سالكين طريقاً بمحض الصّدفة إلى أن تلوح فى البعيد دارٌ مضاءةٌ بنورٍ خافت؟ أًنا سِرْتُ دون التفات. كنتُ أَنْشُدُ النّسيان وأرغب فى الاعتقاد بأنّ ما حدث لي أخيراً لم يكن سوى هلوسَةٍ أُخرى, حلم متقطّع يختلط فيه كلّ شيء : دفن الأَب وفرار الأَمَة المعتوقة. سِرْتُ بمحاذاة أحد الطُّرُق دون أن أُكلِّمَ أحداً. فَضْلاً على أنّه لم يضايقني الأَطفال ولا الرّجال الذين التقيتُ بهم. ومع ذلك كان مظهري غربياً, بملابسي الرّثة, ووجهى المنقبض ودموعي المنهمرة. عندما خَيم الليل, .قرفصتُ تحت شجرة وبكيتُ فى صمت, بلا ندمٍ أو أسي. لا أعتقد أنّنى بكيتُ لموت أبي يوم دفْنِه

مقتطفات من رواية “ليلة القدر” ل الطاهر بن جلون

من الرواية أيضاً | ديباجة

الغلاف

الغلاف

.ما يهمُّ هو الحقيقة

لديّ الآن وقد صرتُ عجوزاً, كلَّ السَّكينة لكى أعيش. سأتكلّم, سأُدْلي بالكلمات والزَّمن. إّنني أُحِسُّنِي مثقلةً بعض الشئ. وهذا لا يعود إلى وطأًة السّنين, بل إلى وطأَة كلّ ما لم يُقَلْ, كلّ ما كتمتُه وأًخفيتُه. لا أًعلم بأًن ذاكرةً مملوءة بأًنواع الصَّمت وبالنظرات المتقطّعة يمكن أن تصير كيساً من الرّمْل يعْسُر معه السَّيْرُ

.قضيت وقتاً طويلاً للوصول إليكم. أَيُّها الأَخيار ! لا تزال السّاحة دائرية. كما الحمق. ولا شئ تَغَيَّر. لا السَّماءُ ولا الناس

إنّني سعيدة بكونى أخيراً هنا. أنتم خلاصي, ونورُ عينيَّ. إنّ تجاعيدى جميلة وكثيرة. فما بدا منها على الجبين هى آثارُ ومِحَنُ الحقيقة. هي انسجام الزّمن. وما بدَا منها على ظاهر اليَدَيْن هي خطوط القدرٍ. أُنظُروا إليها كيف تتقاطعُ, كيف تشير إلى مَسَالِك الحظ, راسمةً نجمةً بعد سقوطها فى ماء أحدى البُحَيْرات

هنا تكمن قصّة حياتي, فكل ُّ تجعيدةٍ قَرْنٌ, طريقٌ عبر ليلةٍ شتويةٍ, عينُ ماء صافية, صباحٌ من الضباب, لقاءٌ فى غابةٍ, قطيعةٌ, مقبرةٌ, شمسٌ مُحْرِقةٌ…هنا, على ظاهر اليد اليُسرى, هذه التّجعيدةُ نُدْبَةٌ; فقد توقَّفَ الموتُ ذات يومٍ ومَدَّ لي نوعاً من العصا الطويلة. رُبَّما لكي يُنْقِذنِي؟ وقد رددتهُ بإدارة ظهري له. كلُّ شئ بسيطٌ شريطة أَلا نشرع في تحويل مجرى النّهر. قصتي ليست عظيمةً ولا تراجيدية. هى ببساطة غريبةٌ

تغلّبتُ على كلّ أنواع العنف لكي أستحقَّ العاطفة وأَستحق أن أَصير لُغْزاً. طالما مشيتُ فى الصحراء; ذرَعْتُ الليلَ وأَلِفْتُ الأَلم. خَبَرتُ “الشراسة الصافية  للأَيام الهنية”, هذة الأَيام التي يبدو فيها كلُّ شئ وديعاً

أَيُّها الأَخيار ! ما سأُسِرُّه لكم يشبه الحقيقة. لقد كذبتُ. أحببتُ وخُنْتُ. عبرتُ البلاد والقرون. وغالباً ما نَفِيتُ نفسي, وحيدةً بين الوَحِيدِين. أدركتُ الشيخوخَة غِبَّ نهارٍ خريفي, وإذِ ارتَدَّ الوجهُ إلى الطّفولة, أَودُّ قول هذه البراءة التي حُرٍمْتُ منها. تذكَّروا ! كنتُ طفلةً مضطربةَ الهُوية زمترنّحتها. بِنْتاً كنتُ مُقَتَّعةً بمشيئةِ أَبٍ أحسَّ بنفسه ناقص الرّجولة ومُهَاناً لأَنّه لم يُرْزَقْ ولداً. وكما تعلمون, كنتُ أنا هذا الإِبْن الذي كان به يحلمُ. والبقية, يعرفها بعضكم; والآخرون سمعوا نُتفاً منها هنا وهناك. إن الذين جازفوا بحكاية حياة طفل الرّمَال والرّيح هذه لاَقُوا بعض المتاعب : فبعضهم أُصيبوا بفقدان الذّاكرة; وأشرف آخرون على الهلاك. لقد قُصَّتْ عليكم بعض القصص. وما هي حقّاً بقصصي. فحتّي عندما كنتُ مختبئةً ومنزويةً,  كانت الأَنباء تنتهي إليّ. ولم أكن مندهشة ولا منزعجة. كنتُ أعلم أنّني, باختفائي, أترك ورائيَ ما يُغَذِّي أغربَ الحكايات. لكن بما أن حياتي ليست حكايةً, حرصتُ على أَنْ أُصَحِّح الوقائع وأُفشِيَ لكم السر المصون تحت حجرٍ أسودَ فى دارٍ عالية الجدران داخل دَرْبٍ مُغْلقٍ بسبعة أبواب

من رواية ليلة القدر – الطاهر بن جلون

رواية - ليلة القدر

الغلاف

أعرف أنى أحمق أفسد كل شئ حتى أن لغتي العربية ركيكة, لا أعرف إن كان بإمكاني إصلاح الأمر أم لا ولكن جمال ملكوتك يستحق الطوف. سامحي الولد الأحمق الذي لا يقدر ما يملكه, سامحي الولد الأحمق الذي ظن بنفسه القوة فتأخذه الحياة مجرى الموت وتعبث بخلاياه الدماغيه. سامحى الولد الأنانى الذى يصرخ دون داعى ويطلب من حبيبته كل شئ ولا يعطى شيئاً فى المقابل, سامحى ولد فى خصومة مع ربه فذهب يتحدث عنه بسوء على المقاهى, سامحى ولد أخذ منه الإعصار فجأة كل شئ فتبقى له بعض أوراق السجائر والتبغ الناشف. عزيزتى أنا الولد التائه فى شوارع مدينة لا يعرف فيها شيئاً سوا رائحة شعرك وأنفاسك, يمسك يديكِ بقوة فتعبرين به الطريق وهو خائف. سامحى ولد حائر ولا يملك من أمره شيئاً. سامحى الولد الذى تحييه فى حضنك…

أخيرا الولد الذى أحببتيه يوشك على الموت فيُشهد السماء أنه منك يوم يغادر الجسد

أجعلى من أنفاسك الجميلة طوق نجاة لمشروع روح على الأرض

سأحبك يا عزيزتي
سأحبك
إلى أن تقترب الصين و تحضن أفريقيا
ويقفز النهر على الجبل
ويغني سمك السلمون في الشوارع
سأحبك
إلى أن ينطوي المحيط
وينشروه كي يجف
وتكاكي النجوم مثل إوزات
في السماء

عماد أبو صالح

تعرفين يا مريم أننى منذ فترة أتهرب من الإجابة على سؤالك لماذا لم أعد أكتب, فى حقيقة الأمر أنا لا أكتب ولا أستطيع أن أصنف كلمات عشوائية لا تحمل آى تركيب نحوى ولا لغوى على أنها تعبير عن مايدور فى ذهنى مثلا. لا أعرف لماذا تدور فى ذهنى آية من سورة الشمس كلما يمر وقت رائع معك, “والليل إذا يغشاها” أعتقد أن الليل يغشانا فعلا يا مريم فأنا مازلت أمارس هوايتى المفضلة فى تحطيم ثقافة “الكومن سينس” التى تملئ روؤس المعاتيه وسكان الطبقات المتوسطة فى المجتمع. هولاء المعاتيه يضخمون الحياة وينشرون أفكار وأساليب حياة معتوها مثلهم تماماً, حياتهم عبارة عن مجموعة من الحقائق الزائفة ومع ذلك يصرخون دفاعاً عن زيفهم. أعتقدت أننى أعرف الناس جيداً يا مريم لكنى خسرت الكثير ولكن رهانى عليكِ لم أخسره بالرغم من كل اللحظات التى مرت علينا. تعرفين يا مريم أن ما بينا لا يمكن أن أكتب أو أعبر عنه, فجمالك يحتاج شخصاً يملك من اللغة ما يستطيع به أن يصفك. حرفياً لم يعد لدى آى لفظ يمكنه التعبير عن روح مثلك. إستمرى فى محاربة المعاتيه يا مريم من أفكار وأساليب حياة, أنا أحبك وهذا كل ما أعلم, نحن أحياء وهذا كل مانعلم. أنا حالياً سعيد جداً ولذلك لا يمكننى أن أكتب أكثر من ذلك فجمالك ومقدار السعادة والحب النابع منك صعب إختزالة فى جمل لكن أوعدك يا مريم أن المرة القادمة سأكتشف طريقة أخرى للتعبير عن مقدار جمالك بعيداً عن ألفاظ تملئ ألسنة الناس. وتذكرى إنكِ مثل الصلاة ع النبى ..

 

كلا. سأُكره على العيش تماما كما حدث سابقاً. سأكره على الحياة بلا تأثر ولا تأثير. بما أن هذا العالم لم يعد صالحا لبقائي، وبما أني أشعرت العالم الآخر بقدومي، فلن أعود. ما من شيء يربطني بهذا العالم؛ كما وأن فكرة الموت كانت في رأسي عندما أعددت لهذا الصيام. ربما استطعت أن أتعقب ضآلة حياتي بالطريقة التي اصطفيتها لموتي.

تماما كطقوس »السوبوكو« في عالم الساموراي؛ عندما كان الواحد منهم يبقر بطنه بصورة احتفالية كي لا يكون نسياً منسيا. إن لم يستطع أحدهم أن يكون أي شيء سوى حجر عثرة في طرق الآخرين، فلمَ لا يمجد نفسه في لحظاته الأخيرة بهذه الصورة. فلنمجد ولو لمرة واحدة وأخيرة أولئك المخدوعين السذج. أولئك الذين ضلوا السبيل إلا بالعاطفة، والذين لم يجدوا متسعاً في حياتهم ليعبروا عما يختلج في ذواتهم. فلنمنحهم الاحترام والمجد ولو لوهلة قبل الموت. أليس هذا ما تقوم عليه طقوس السوبوكو: الفعل الذي يذهب بجميع مهانات العالم.

 

يوميات مومياء من الأدب الياباني الحديث
مساهيكو شمادا 
ترجمة: عاصم السعيدي – شاعر من سلطنة عمان

تكرار الفعل يجعله فرضاً ولا مجال فيه للنقاش, الدولة عامه بارعة فى هذا الشئ فهى تستطيع وبكل سهولة تشكيل حياتك وتعديلها عن طريق التكرار لينكمش هامش حلمك وحياتك لينعدم قريباً بشكل أو بأخر. عاده لا يُسمح لك بالتعبير سوا بالحزن أو بالفرح فهم دائماً يتوقعون منك رد فعل محدد فمن فضلك لا تخرج عن النص. منذ متى وأنتِ تملكين قلباً قاسياً يا مريم؟! لماذا يأتى عقابك دائماً مع كل نفخة روح؟! أنا اعلم أننى اضعف من أن أذى احدهم ولكن مؤخراً يروادنى إحساس القتل وأنه على ان انهى حياة احدهم ايضاً, وكل ما يمكننى فعله هو إنتظار تلك اللحظة التى تخرج فيها روحى على خوانة. لا تتوقع شيئاً ولا تطلب شيئاً ولا تتوقع أنهم سوف يفعلون أشياء تبدو بديهيه بالنسبة لك فقط أخلق الأفعال ولا تنتظرها. أخبرينى يا مريم بماذا أساعدك؟ كل ما اطلبه هو مساحة من المنطق وعدم التوقع, أنا الأن فى منتصف طرق بين الفتك بالأغبياء او الصلاة لهم. نموذج زرادشت يملا عقلى ولا يمكننى تجاهله ولكن أيضاً التسامح يخدع, ما أسوا إنتظار نتيجة شئ ما يا مريم. اليوم مثلا يا مريم كل ما كنت أتمناه أن يمر هذا اليوم بسلام وأتنفس أنفاسك مجدداً ولكن كالعادة فشلت حتى فى تمر بضع ساعات مرور الكرام. الحزن تمكن منى يامريم حتى ضهرت تجاعيد وجهى ولا شئ يخفيها سوا حضنك, لا أعرف من يفسد اللحظات السعيدة لكن أنا فعلاً ممتن لكِ على كل شئ فأنتِ تجعلى كل شيئاً حى. أنا لست رب ولا عاشق ولا نبى ولاقاتل أنا فقط مجرد شئ أغُتيل قبل إكتمال التكوين ليصبح إشارة فى طريق طويل لا تغير من الأمر شيئاً فوجودها من عدمه لا يهم فالطريق ممتد للمتنهى. كيف أحمل فكرة قتلت أحدهم؟ كيف أعتنق فكرة يلوثها الدم؟ كيف أدافع عن فكرة تحتكر كل شئ حتى الموت؟ كلن أولى بأن يدافع عن قضيته يا مريم. ثم تعتقدين أننى كافر بجمالك؟ ثم تحكمين على عبداً ضعيف دون حيلة؟ ثم تسلبين الروح والحزن؟ ثم تملى القلب صمت؟ ثم ينتهى الطريق دون إشارة. يا ليتنى قاتل مأجور ينهى حلمه مقابل من يدفع أكثر, العدم فى مقابل الحزن, الموت فى مقابل الحزن, الفرح فى مقابل الحزن, الجوع فى مقابل الحزن, الوحدة فى مقابل الحزن, السماء فى مقابل الحزن, مريم فى مقابل الحزن. النهار شاهد على تفاصيلنا يا مريم و النفس يحيى ويميت أحياناً, هذا الشخص ليس حقيقاً وغير واقعى ولا يمس الوجود بآى صلة, هذا الشخص تمكن منه الحزن وسُلب منه الحلم وأصبح الضحك مجرد حدث عارض مالبس أن إنتهى خلال دقائق معدودة. يامريم تذكرى أن كل شئ ينتهى دون إشارة يامريم الحياة منك وإليك لو تعرفى.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,366 other followers